المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف نجعل من الالم رادعا لغرور الدنيا؟


hmss
19-05-2008, 02:58 PM
الانسان لا يحب ان يتألم‏..‏ والانسان السوي لا يحب ان يؤلم احدا‏..‏ فالألم شئ فظيع لاشك‏,‏ وكلما زادت جرعته زادت فظاعته‏..‏ سواء كان ألما نفسيا أو ألما جسديا‏..‏ فكلاهما فظيع‏..‏
وقد كنت منذ سنوات عديدة‏,‏ وقت ان كنت احضر لرسالة الدكتوراة في وجوب منع الأسلحة التي تسمي مفرطة الضرر أي التي تسبب آلاما لا تحتمل لمن يصاب بها‏..‏ كالأسلحة الحارقة ومنها النابالم‏..‏ كنت أتناقش مع خبير بريطاني كان يعمل بهيئة الصحة العالمية في جنيف‏,‏ حول مدي الألم الذي يمكن ان تتسبب فيه بعض الاسلحة ليتعين تحريمها‏..‏ فقال ضاحكا اننا للأسف لا نستطيع قياس الالم‏!!.‏
‏(‏وقد قرأت مؤخرا انهم توصلوا الي جهاز يمكن به قياس الألم‏..‏ وهو الآن في مرحلة التجريب والاختبار‏)‏ نعود الي اصل الموضوع ونترك تفريعاته‏..‏ فأقول إننا برغم كراهيتنا للألم بل وخشيتنا منه‏,‏ فإن له وظائف جد مفيدة‏!!‏ او علي وجه التحديد فإن له دورا أو أدوارا يؤديها في حياتنا وما بعد حياتنا الأولي هذه‏..‏ أي في آخرتنا‏..‏
وأبدأ بالقول بأننا جربنا آلام الحريق‏,‏ مهما تكن الإصابة طفيفة أو سطحية‏..‏ فكيف يكون الألم لو لم تكن الإصابة طفيفة أو سطحية؟؟ مما يوصف بأنه حريق من الدرجة الرابعة‏..‏ لابد أن الألم لا يوصف‏..‏ فماذا لو وضع الانسان بأكمله‏..‏ من قمة رأسه إلي إخمص قدميه في النار؟‏!‏ وماذا لو كانت هذه النار هي النار الكبري‏..‏ أي نار جهنم؟‏!‏ شئ لا يمكن وصفه‏..‏ فتصور الآلام التي تسببها هذه النار لإنسان يوضع فيها‏,‏ هي ما يخوفنا الله منه بحق‏,‏ حتي نعمل صالحا في دنيانا‏,‏ فنتجنب عذابا لا شبيه له في شدته لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون‏(‏ الزمر‏16)‏ أرأيتم ان تصور آلام الحريق في النار تدفعنا لبذل أقصي ما نستطيع لكي نفر من هذا العذاب الذي ينتظر العصاة؟‏!‏ فالألم هنا يدفعنا الي العمل حتي يدخلنا الله في رحمته‏..‏ فالعمل مطلوب ولكننا لا ندخل به الجنة‏..‏ ولكن الله يتغمدنا برحمته فيجبر القصور ويتجاوز عن التقصير ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا‏(‏ البقرة‏286)..‏ وفي ذلك قال احد الصالحين مخاطبا العمل بك لا نصل ولا بد منك‏!!‏ اي ان العمل لابد منه وان كان وحده لا يدخلنا الجنة‏..‏ وفي ذلك يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم لن يدخل أحد الجنة بعمله
والانسان يتألم في الدنيا حين يري أو يسمع عن عائلة لا تكاد تجد قوتها الضروري‏..‏ فيسرع الي تقديم العون لها‏,‏ في صورة نقدية أو عينية او كليهما‏..‏ فالألم هنا كان دافعا لتقديم الخير للناس‏,‏ وهو يرتد علينا خيرا‏..‏ والألم يغير نظرة الانسان للحياة‏..‏ فحين يصاب الشخص بإصابة شديدة أو يمرض ويعتصره الألم‏..‏ برغم المسكنات‏..‏ فإنه يضطر الي اعادة حساباته وتغيير اولوياته‏,‏ اذ يري الدنيا علي حقيقتها‏..‏ ويري نفسه كأي انسان آخر‏..‏ يجري عليه ما يجري علي الناس‏..‏ حين يحدث هذا فإنه قد يهجر الكبر والغرور والخيلاء‏..‏ ويتعامل مع الآخرين بالرحمة وليس بالغلظة والقسوة والعنجهية‏..‏
الإنسان الذي يمر بمحنة‏..‏ حين يفقد شخصا غاليا عليه‏,‏ أو يري شخصا غاليا عليه يتألم بسبب المرض‏..‏ او يفقد مالا عينيا‏,‏ كعقار نشب فيه حريق اتي عليه‏,‏ او ضياع مبلغ نقدي نتيجة للسرقة او عملية نصب‏..‏ الانسان الذي يمر بمحنة من هذا القبيل‏(‏ أو من اي قبيل آخر‏)‏ ان كان انسانا سويا خرج من المحنة اصلب عودا واقوي شكيمة‏..‏ ذلك ان فعل المحن بالنسبة للأسوياء من الناس كفعل النار بالنسبة للحديد‏..‏ تصهره فيصبح فولاذا‏..‏ اما ان لم يكن انسانا سوي الطبع‏..‏ مؤمنا بالله ايمانا مكينا‏..‏ فإنه قد يصاب بالهوس‏(!)‏ او يتزلزل ايمانه‏,‏ وتعصف به المحنة فيصبح حطاما‏..‏ فالمحن بالنسبة للمؤمن الراسخ إيمانه تكون نعمة لا نقمة فعسي أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا‏(‏ النساء‏19)..‏
ولكن هل يكون الخير ايضا في حالة فقد انسان غال علينا؟‏!‏ اقول نعم‏..‏ اذا اعتبرنا ان الدنيا ممر للآخرة‏..‏ وأن حزننا علي الغالين وصبرنا علي فراقهم‏,‏ يكون خيرا لنا ولهم‏..‏ فالله قد يرحمهم بنا او يرحمنا بهم‏..‏ فيرفعهم الينا او يرفعنا اليهم في الجنة‏,‏ فنعم بصحبتهم حيث لا فراق‏..‏
الآلام ان مرت بساحتنا لأي سبب تزيد المؤمن إيمانا وتسليما‏,‏ لأن المؤمن يثق في وعد الله بأن الشدة يعقبها الفرج وأن العسر سيأتي معه اليسر‏,‏ فإن مع العسر يسرا‏..‏ إن مع العسر يسرا‏(‏ الشرح‏5‏ ـ‏6)..‏
الآلام ليست شرا كلها‏..‏ وإنما قد يأتينا الخير من ثناياها‏..‏ ومهما كرهناها وأشفقنا منها‏..‏ فقد تكون هي المخلص لنا من غرور الدنيا‏..‏ وقد تجعلنا أكثر صلابة وقدرة علي مواجهة صروف الدهر بثبات‏..‏ وقد تنقي نفوسنا من أدرانها‏..‏ من الحقد والغل والحسد والكراهية والبغضاء‏..‏ وقد تكون اختبارا لنا يزكينا عند بارئنا‏..‏ وقد يضاعف الله بها حسناتنا ويمحو بها سيئاتنا‏..‏ ومع ذلك فإننا نستعيذ بالله منها ومن شدتها‏..‏ ونسأله ـ ان حلت بنا ـ ان يزكينا بها‏,‏ ويجزينا عنها جزاء الصابرين‏..‏ ولله ميراث السموات والأرض‏..‏ وله الأمر من قبل ومن بعد‏...‏

Classic
16-01-2009, 10:51 AM
:)يعطيك العافية اختي همس