Classic
18-01-2009, 06:49 PM
الطب والدين
حينما يصاب المرء بالمرض فإن وسائل العلاج تبدأ تأخذ طريقها إلى بدنه، وتتعدد الوسائل من أساليب طبية حديثة إلى طرق علاج شعبي ويتنوع استخدامها بين الشعوب. والواقع أن هناك اعتقادات متنوعة عند الشعوب على اختلافها فيما يخص المرض العضوي أو النفسي. ربما تكون الثقافات الشرقية والأفريقية أكثر جرأة في استخدام الطب البديل أو "الطبيعي" أو الشعبي من استخدام الثقافات الغربية التي ظلت لفترة طويلة تتعامل مع الطب الحديث باعتباره العلاج الوحيد لديها. ولكن مع تداخل الثقافات أصبح الكثير من الغربيين مهتمين بممارسات ثقافية لدى الشعوب الشرقية ومنها بطبيعة الحال العربية والإسلامية تجاه التعامل مع المرض.
فعلى سبيل المثال، بدأنا نسمع بمراكز في أمريكا تعالج المرضى بالقرآن مع أن بعض أصحاب هذه المراكز هم في الأساس غير مسلمين، وهناك - كما نشرت بعض الصحف المحلية مؤخرا - بعض العلماء اليابانيين الذين بدؤوا بدراسة تأثير قراءة القرآن أو الرقية الشرعية على الماء والاختلاف بين ماء زمزم وغيره. والطب البديل بما فيه من طب شعبي ونبوي كان ومازال وسيلة علاج للكثير من المرضى، ولكن هل من الممكن أن يكون وسيلة الشفاء الوحيدة دون الاستعانة بالطب الحديث لأن العقاقير لها الكثير من الأعراض الجانبية؟
يحثنا الدين الإسلامي أن نأخذ بالأسباب وأن نتوكل على الله تعالى في كل أمورنا دون أن نتواكل عليه. ولكن رغم أن هذه الفكرة الدينية الأساسية في الدين معروفة لدى الكثير من الناس إلا أنه يبدو أن البعض يغفل أهمية العمل والبحث خلف الأسباب خصوصا حينما يتعلق ذلك بصحتهم أو صحة غيرهم افتراضا منهم أن القرآن يكفي بذاته للشفاء، وغير ذلك هو شيء منافٍ للدين أو غير ضروري. وفي الحقيقة رغم أن التداوي بالقرآن أمر مؤثر وفعال إلا أنه لا يكفي وحده في الحالات ذات المنشأ المرضي والتي لها علاج طبي، ومن يتوقف أو يرفض أخذ العلاج ويكتفي بالوصفات الشعبية أو بالقرآن فإنه يقود نفسه إلى التهلكة. وهو بهذا ينافي تعاليم الدين التي حثتنا على الاعتناء بصحتنا وأجسادنا باعتبارها أمانة عندنا وليس لنا الحق في العبث بها أو ردها لخالقها بالانتحار.
المجتمع يحتاج إلى تثقيف حول الأمور الصحية بشكل عام والعناية بالجسد والنفس وذلك بالاستعانة بالطب والرقية وأن الرقية لا تتعارض مع العلاج والعكس صحيح. وأعرف شخصيا الكثير من القصص المؤسفة التي راح ضحيتها البعض نتيجة الجهل بالدين والصحة معا. لذلك سررت للغاية حينما نظم مستشفى مدينة الملك فهد الطبية في الرياض ندوة طبية دينية حول هذا الموضوع وذلك لأهميته الكبيرة في مجتمعنا. هذه الندوة كانت يوم الأربعاء الموافق 14 يناير من هذا العام، وقد قام قسم فسيولوجيا الأعصاب بترتيبها بقيادة الدكتورة المتألقة فوزية بامقدم التي قدمت عدة محاضرات ثرية حول داء الصرع والفكرة الشعبية الخاطئة عنه وذلك أن البعض يظن أنه لابد وأن يكون مساً من الجان وأن المصروع لا يمكن أن يعيش حياة طبيعية. وقد ذكرت الكثير من القصص الواقعية التي بينت فيها خطورة ترك العلاج وقد كان من بين هذه القصص قصة مراهقة تبلغ من العمر 14 عاما كانت تعاني من الصرع وتأخذ علاجا ساهم في السيطرة على هذه النوبات، ولكن بعد فترة قطعت العلاج وبدأت تتشنج طوال الليل وأهلها يقرؤون عليها القرآن دون أخذها للمستشفى فتوفيت في الصباح.
وقد كانت هذه القصة كما ذكرت الدكتورة بامقدم أحد الأسباب القوية التي جعلتها تفكر في تنظيم ندوة تثقيفية بأهمية العلاج الطبي وأن ذلك لا يمنع من التداوي بالقرآن كذلك. كما اشترك في هذه الندوة الشيخ الدكتور عبدالمحسن الأحمد الذي نجح بعرض قصص من واقع عمله في المستشفى تبين أهمية التداوي بالقرآن إلى جانب الرعاية الصحية وأن التداوي بالأذكار والقرآن لا يمنع أبدا من أخذ العلاج بل من الأفضل أن يدعو الشخص ربه أن ينفع بهذا العلاج ومن ثم يقوم بأخذه.
المشكلة عند البعض هي الجهل بالكيفية المناسبة للتعامل مع المرض والمريض، وقد يكون مجال عملي يفرض علي أن أميل أكثر للطب الحديث، ولكن ذلك لا يمنع من أن نعترف بأن الطب البديل والروحانيات لها تأثير لا يمكن نكرانه أو الاستخفاف به من باب "التحضر" و"العلم".
وأود أن أشكر مستشفى مدينة الملك فهد الطبية وعلى رأسهم الدكتورة فوزية بامقدم وهي إنسانة فاضلة أعرفها شخصيا لم تبدع فقط في مجال عملها الطبي مع المرضى بل كذلك ساهمت وتساهم في رفع مستوى العمل في المستشفى والثقافة خارجه. وقد فرحت كثيرا حينما حضرت الندوة ولمست بنفسي الترتيب والتنظيم والمنشورات التعليمية والاهتمام بالحضور. وفي الحقيقة، الدكتورة بامقدم تشرف على تخريج أول دفعة من دبلوم فسيولوجيا الأعصاب، وقد سعدت كثيرا حينما رأيت أن هذه الدفعة هن من الفتيات السعوديات. وقد تحدثت مع بعضهن ممن شاركن بتنظيم الحفل فتقول الاختصاصية "هيفاء العنزي" وهي واحدة من خريجات الدفعة إنها تشعر بالامتنان للعناية والاهتمام الذي تلاقيه هي وزميلاتها من القسم ومن الدكتورة فوزية التي تعتبرها مثلها الأعلى.
وهذا شيء بسيط مما يمكن أن نقوله لسيدة سعودية أعطت المجتمع الكثير ومازالت في أوج عطائها. وشخصيا أتمنى لها كل التوفيق وأملي أن نرى نماذج نسائية سعودية مشرفة في كل مجال.
*************************
حينما يصاب المرء بالمرض فإن وسائل العلاج تبدأ تأخذ طريقها إلى بدنه، وتتعدد الوسائل من أساليب طبية حديثة إلى طرق علاج شعبي ويتنوع استخدامها بين الشعوب. والواقع أن هناك اعتقادات متنوعة عند الشعوب على اختلافها فيما يخص المرض العضوي أو النفسي. ربما تكون الثقافات الشرقية والأفريقية أكثر جرأة في استخدام الطب البديل أو "الطبيعي" أو الشعبي من استخدام الثقافات الغربية التي ظلت لفترة طويلة تتعامل مع الطب الحديث باعتباره العلاج الوحيد لديها. ولكن مع تداخل الثقافات أصبح الكثير من الغربيين مهتمين بممارسات ثقافية لدى الشعوب الشرقية ومنها بطبيعة الحال العربية والإسلامية تجاه التعامل مع المرض.
فعلى سبيل المثال، بدأنا نسمع بمراكز في أمريكا تعالج المرضى بالقرآن مع أن بعض أصحاب هذه المراكز هم في الأساس غير مسلمين، وهناك - كما نشرت بعض الصحف المحلية مؤخرا - بعض العلماء اليابانيين الذين بدؤوا بدراسة تأثير قراءة القرآن أو الرقية الشرعية على الماء والاختلاف بين ماء زمزم وغيره. والطب البديل بما فيه من طب شعبي ونبوي كان ومازال وسيلة علاج للكثير من المرضى، ولكن هل من الممكن أن يكون وسيلة الشفاء الوحيدة دون الاستعانة بالطب الحديث لأن العقاقير لها الكثير من الأعراض الجانبية؟
يحثنا الدين الإسلامي أن نأخذ بالأسباب وأن نتوكل على الله تعالى في كل أمورنا دون أن نتواكل عليه. ولكن رغم أن هذه الفكرة الدينية الأساسية في الدين معروفة لدى الكثير من الناس إلا أنه يبدو أن البعض يغفل أهمية العمل والبحث خلف الأسباب خصوصا حينما يتعلق ذلك بصحتهم أو صحة غيرهم افتراضا منهم أن القرآن يكفي بذاته للشفاء، وغير ذلك هو شيء منافٍ للدين أو غير ضروري. وفي الحقيقة رغم أن التداوي بالقرآن أمر مؤثر وفعال إلا أنه لا يكفي وحده في الحالات ذات المنشأ المرضي والتي لها علاج طبي، ومن يتوقف أو يرفض أخذ العلاج ويكتفي بالوصفات الشعبية أو بالقرآن فإنه يقود نفسه إلى التهلكة. وهو بهذا ينافي تعاليم الدين التي حثتنا على الاعتناء بصحتنا وأجسادنا باعتبارها أمانة عندنا وليس لنا الحق في العبث بها أو ردها لخالقها بالانتحار.
المجتمع يحتاج إلى تثقيف حول الأمور الصحية بشكل عام والعناية بالجسد والنفس وذلك بالاستعانة بالطب والرقية وأن الرقية لا تتعارض مع العلاج والعكس صحيح. وأعرف شخصيا الكثير من القصص المؤسفة التي راح ضحيتها البعض نتيجة الجهل بالدين والصحة معا. لذلك سررت للغاية حينما نظم مستشفى مدينة الملك فهد الطبية في الرياض ندوة طبية دينية حول هذا الموضوع وذلك لأهميته الكبيرة في مجتمعنا. هذه الندوة كانت يوم الأربعاء الموافق 14 يناير من هذا العام، وقد قام قسم فسيولوجيا الأعصاب بترتيبها بقيادة الدكتورة المتألقة فوزية بامقدم التي قدمت عدة محاضرات ثرية حول داء الصرع والفكرة الشعبية الخاطئة عنه وذلك أن البعض يظن أنه لابد وأن يكون مساً من الجان وأن المصروع لا يمكن أن يعيش حياة طبيعية. وقد ذكرت الكثير من القصص الواقعية التي بينت فيها خطورة ترك العلاج وقد كان من بين هذه القصص قصة مراهقة تبلغ من العمر 14 عاما كانت تعاني من الصرع وتأخذ علاجا ساهم في السيطرة على هذه النوبات، ولكن بعد فترة قطعت العلاج وبدأت تتشنج طوال الليل وأهلها يقرؤون عليها القرآن دون أخذها للمستشفى فتوفيت في الصباح.
وقد كانت هذه القصة كما ذكرت الدكتورة بامقدم أحد الأسباب القوية التي جعلتها تفكر في تنظيم ندوة تثقيفية بأهمية العلاج الطبي وأن ذلك لا يمنع من التداوي بالقرآن كذلك. كما اشترك في هذه الندوة الشيخ الدكتور عبدالمحسن الأحمد الذي نجح بعرض قصص من واقع عمله في المستشفى تبين أهمية التداوي بالقرآن إلى جانب الرعاية الصحية وأن التداوي بالأذكار والقرآن لا يمنع أبدا من أخذ العلاج بل من الأفضل أن يدعو الشخص ربه أن ينفع بهذا العلاج ومن ثم يقوم بأخذه.
المشكلة عند البعض هي الجهل بالكيفية المناسبة للتعامل مع المرض والمريض، وقد يكون مجال عملي يفرض علي أن أميل أكثر للطب الحديث، ولكن ذلك لا يمنع من أن نعترف بأن الطب البديل والروحانيات لها تأثير لا يمكن نكرانه أو الاستخفاف به من باب "التحضر" و"العلم".
وأود أن أشكر مستشفى مدينة الملك فهد الطبية وعلى رأسهم الدكتورة فوزية بامقدم وهي إنسانة فاضلة أعرفها شخصيا لم تبدع فقط في مجال عملها الطبي مع المرضى بل كذلك ساهمت وتساهم في رفع مستوى العمل في المستشفى والثقافة خارجه. وقد فرحت كثيرا حينما حضرت الندوة ولمست بنفسي الترتيب والتنظيم والمنشورات التعليمية والاهتمام بالحضور. وفي الحقيقة، الدكتورة بامقدم تشرف على تخريج أول دفعة من دبلوم فسيولوجيا الأعصاب، وقد سعدت كثيرا حينما رأيت أن هذه الدفعة هن من الفتيات السعوديات. وقد تحدثت مع بعضهن ممن شاركن بتنظيم الحفل فتقول الاختصاصية "هيفاء العنزي" وهي واحدة من خريجات الدفعة إنها تشعر بالامتنان للعناية والاهتمام الذي تلاقيه هي وزميلاتها من القسم ومن الدكتورة فوزية التي تعتبرها مثلها الأعلى.
وهذا شيء بسيط مما يمكن أن نقوله لسيدة سعودية أعطت المجتمع الكثير ومازالت في أوج عطائها. وشخصيا أتمنى لها كل التوفيق وأملي أن نرى نماذج نسائية سعودية مشرفة في كل مجال.
*************************